الشيخ محمد رشيد رضا
611
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ختم اللّه سبحانه سياق قصة إبراهيم مع قومه بذكر هداية بعض الرسل من أهل بيته وذريته تمهيدا بذلك إلى بيان كون رسالة خاتمهم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جنس رسالتهم ، وكون هدايته متممة ومكملة لهدايتهم ، ومن ذلك أنه لا يسأل على تبليغ هذا القرآن أجرا ، ولا يرجو من غير اللّه عليه فائدة ولا نفعا ، وقفى على ذلك بالرد على منكري الوحي ، وبيان انهم ما قدروا اللّه حق القدر ، وتفنيد ما عرض لهم من الشبهة ، وإقامة الحجة الواضحة المحجة ، قال * * * وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قدر الشئ ( بسكون الدال وفتحها ) ومقداره - مقياسه الذي يعرف به ومبلغه ، يقال قدر يقدره وقدّره إذا قاسه ، وقادرت الرجل مقادرة قايسته وفعلت مثل فعله ، والقدر والقدرة والمقدار القوة . ومنه القدر بمعنى الغنى واليسار - وكذا الشرف - لأنه كله قوة كما قال صاحب اللسان ، وكل ما تقدم مختصر منه . ( قال ) وقوله تعالى « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » أي ما عظموه حق تعظيمه . وقال الليث ما وصفوه حق صفته ، والقدر والقدر هنا بمعنى واحد اه . وعزى الأول إلى ابن عباس وروي عنه أيضا ان القدر هنا بمعنى القدرة ، قال إن الآية نزلت في الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة اللّه عليهم فمن آمن ان اللّه على كل شئ قدير فقد قدر اللّه حق قدره . وعن الاخنش ان المعنى ما عرفوه حق معرفته . وعن أبي العالية ما وصفوه حق صفته . وتفسيره بالمعرفة أقوى ، لأنه بالمعنى الاشتقاقي ألصق ، وتعلق الظرف « إِذْ قالُوا » بفعله أو معنى نفيه أظهر ، سواء تضمن معنى العلة أم لم يتضمن ، والعبارة محتملة الامرين . فمنكروا الوحي الذين يكفرون برسل اللّه ويريدون أن يفرقوا بين اللّه ورسله ، ما عرفوا اللّه حق معرفته ، ولا عظموه حق تعظيمه ولا وصفوه حق صفته ، ولا آمنوا بهذا النوع من قدرته ، وهو إفاضة ما شاء من علمه بما يصلح به أمر الناس من الهدى والشرع على من شاء من البشر بواسطة الملائكة ، أو بتكليمه إياهم بدون واسطة ، أو قدرته على ما يتبع الرسالة من تأييد الرسل بالآيات ، وبهذا الاعتبار يكون تفسير القدر بالقدرة أظهر ، ومن يجيز استعمال المشترك في كل معانيه والجمع بين حقيقته ومجازه مع أمن